سيد محمد طنطاوي

155

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله * ( ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ) * أي لا يعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن إليهم ، وذلك كما يقول القائل لغيره : انظر إلى ، يريد : ارحمني واعطف على . ويقال : فلان لا ينظر إلى فلان ، والمراد من ذلك نفى الإحسان إليه وترك الاعتداد به ، فقد جرت العادة بأن من اعتد بإنسان وعطف عليه التفت إليه . قالوا : فلهذا السبب صار المراد بعدم نظر اللَّه - تعالى - إلى هؤلاء الخائنين عبارة عن ترك العطف عليهم والإحسان إليهم والرحمة بهم . ولا يجوز أن يكون المراد من عدم النظر إليهم ، عدم رؤيتهم ، لأنه - سبحانه - يراهم كما يرى غيرهم من خلقه . وقوله - تعالى - * ( ولا يُزَكِّيهِمْ ) * أي أنه - سبحانه - لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وأوزارهم بالمغفرة ، بل يعاقبهم عليها . أو أنه - سبحانه - لا يثنى عليهم كما يثنى على الصالحين من عباده ، بل يسخط عليهم وينتقم منهم جزاء غدرهم . ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان النتيجة المترتبة على هذا الغضب منه عليهم ، فقال : * ( ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * . أي ولهم عذاب مؤلم موجع بسبب ما ارتكبوه من آثام وسيئات . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء الذين يشترون بعهد اللَّه وأيمانهم ثمنا قليلا بأنهم لاحظ لهم من نعيم الآخرة ، وأنهم ليسوا أهلا لرضا اللَّه ورحمته وإحسانه ، وأنهم سينالون العذاب المؤلم الموجع بسبب ما قدمت أيديهم . ثم بين - سبحانه - بعض الرذائل التي صدرت عن فريق من أهل الكتاب فقال - تعالى - : * ( وإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوه مِنَ الْكِتابِ وما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ) * والضمير في قوله - تعالى - * ( مِنْهُمْ ) * يعود إلى أهل الكتاب الذين ذكر القرآن طرفا من رذائلهم ومسالكهم الخبيثة فيما سبق . قال الفخر الرازي : اعلم أن هذه الآية * ( وإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً ) * تدل على أن الآية المتقدمة وهي قوله - تعالى - * ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ) * نازلة في اليهود بلا شك ، لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود وهي معطوفة على ما قبلها ، فهذا يقتضى كون تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضا « 1 » . وقال ابن كثير : يخبر - سبحانه - عن اليهود - عليهم لعائن اللَّه - أن منهم فريقا يحرفون

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 113 .